الشباب ما بين الماضي والمستقبل [بحث]

الحديث عن الشباب ومراحل التغيير في شخصيته وشكله وتكوينه الاجتماعي والثقافي، هو حديث ذي شجون يتبادل للذهن فيه الحديث عن الذكريات والحاضر والمستقبل، الحديث عن أيام المراهقة والبلوغ ومستقبل هذا الشاب.


كان جيلنا غير هذا الجيل، ذلك أنا كنا في الصف الواحد في المرحلة الابتدائية نشارك بعضنا نفس الهموم ونفس التفكير ، أذكر أنا كنا جميعاً نحب بعضنا البعض ونراعي بعضنا، لم يكن بيننا شخص فاسد إلا ماندر وكنا نميزه من جلوسه في الصفوف الأخيرة.
أما في التحفيظ فالتيار السائد هو التيار المتشدد، أكثر ما أتذكره من سمات هذا التيار هو أنه كان يحرم الأناشيد الإسلامية التي بدون دف! ويعتبر المشاهد المسرحية نوعاً من أنواع الكذب التي لا تجوز! أذكر أنه كان يتم التفتيش على الأظافر وقصر الثوب وطول الشعر. ولكنا كنا نشعر بإخلاص مدرسينا ومشرفينا وحبهم لنا. لكن الطريقة التي كان يغرس فيها الدين في قلوبنا كأطفال وشباب كانت بنظري طريقة خاطئة وحالات الانتكاس التي شهدتها وطريقة ونظرة الطلاب والمدرسين للمجتمع خير دليل على ذلك.
لم ألحظ أن هناك مشروعاً تنمويا وإصلاحياً للمجتمع مبنياً على رؤية أن الآخر هو منّا ويحتاج الدعاء والشفقة والمشاركة لا الابتعاد عنه والتحقير. تماماً كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعامل الشباب.

فعن أبى أمامة رضى الله عنه قال: إن فتىً شاباً أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لى فى الزنا، فأقبل القوم فزجروه ، وقالوا: مه مه!
فقال له: "ادنه" – أى اقترب منى – ، فدنا منه قريبا ،
قال: أتحبه لأمك؟
قال: لا  والله ، جعلنى الله فداءك.
قال: "ولا الناس يحبونه لأمهاتهم".
قال: أفتحبه لابنتك؟
قال: "لا والله يا رسول الله ، جعلنى الله فداءك".
قال: "ولا الناس يحبونه لبناتهم".
قال: أفتحبه لأختك؟
قال: "لا والله ، جعلنى الله فداءك".
قال: "ولا الناس يحبونه لأخواتهم".
قال: أفتحبه لعمتك؟
قال: "لا والله ، جعلنى الله فداءك".
قال: "ولا الناس يحبونه لعماتهم".
قال: أفتحبه لخالتك.
قال: "لا والله ، جعلنى الله فداءك".
قال: "ولا الناس يحبونه لخالاتهم".
قال – رواى الحديث – فوضع يده عليه ، وقال: "اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه ، وحصن فرجه" فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شىء.
فلو قرأنا هذا الحديث بتمعن لوجدنا فيه تشريعاً وطريقة راقية يمكن تطبيقها اليوم مع شباب هذا الجيل، فالرسول عليه الصلاة والسلام انتقل مابين :
1- الاتصال النفسي: وذلك بأن نهى القوم من زجره ثم أعطاه الأمن.
2- الاتصال الجسدي: وذلك جين جعله يقترب منه حتى التصق به في قوله عليه السلام : (ادنُ مني)
3- الحوار: بالرغم من أنه كان يطلب أن يحلل له الرسول ذنباً عظيماً لكن الرسول جلس معه وحاوره وتكلم معه.
4- الإقناع: كان حوار الرسول صلى الله عليه وسلم معه مبينياً على حجة وإقناع ومنطق سليم .
5- الاتصال الجسدي مرة أخرى: وذلك حين مسح بيده الشريفة على صدر الشاب.
6- الدعاء: وذلك حين دعا له : "اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه ، وحصن فرجه".

زادت الفجوة كثيراً بيننا كمتدينين وبين الشباب المنفتح أبناء الذوات، وزاد معه تحجر المشايخ وأسلوبهم التقليدي في مخاطبة الشباب وغياب مشروع مجتمعي يحصن الشباب ويشعرهم بأنهم عنصر فاعل في المجتمع. غياب هذا المشروع للأسف كان أيضاً ضمن فئة الشباب الملتزمين فكان خيرهم لنفسهم ودوماً ما كنا ننتقد عدم وجدود أي شخص غير ملتزم في أي محاضرة يلقيها شيخ في المسجد!

بعد ذلك وللأسف فإن هذه الحركات الشبابية ظهرت –وعلى حسب ما أذكر- من خلال برامج مثل برنامج (يلا شباب) على فناة إم بي سي الفضائية،أي من خلال وسيلة إعلام ليست دينية، وانتشرت وأصبحت ظاهرة بدأت تلملم الشباب على الانترنت وفي تجمعات على أرض الواقع. من بعدها بدأت هذه التجمعات الشبابية والحركات بالظهور وبدأ الإسلاميون يشعرون بأهميتها، نذكر على سبيل المثال: صناع الحياة، فور شباب، والأيدي المتحدة وغيرها.
وكان غياب الوعي الفكري والثقافي سمة بإمكانك تمييزها بسهولة بين جيل هذه المرحلة، فلا وجود لشاب يمسك بكتاب أو مجلة فكرية، ولا تكاد تسمع أو ترى اهتماماً بما يدور في العالم الإسلامي، وكان وقتها موضوع الشيشان هو الهم البارز على السطح.
بداية ظهور القنوات الفضائية كانت عندما كنا في المرحلة المتوسطة، كان الشباب يهتمون ببرنامج Pops And Top الذي تقدمه مذيعة تعرض أغاني الراب الأمريكي وتستقبل اتصالات الشباب، بالإضافة لولع الشباب بالمصارعة الحرة باتحاد WWF سابقاً، WWE حالياً. حيث كانت سير هذا البرنامج وبطولات المصارعة حديث الصف. اليوم الراب والروك الأمريكي صار جزءاً لا يتجزأ من تكوين ثقافة هذا الجيل. حتى صرنا نرى نسخاً مكررة من مغني الراب الأمريكي في بلاد الحرمين.

في المرحلة الثانوية، بدأ ظهور الهاتف الجوال، وكانت أحجامه أقرب للكف، فأجهزة النوكيا والسوني أريكسون كانت فعلا –ومقارنة بأجهزة هذه الأيام- حجم بطيخة إذا وضعنا بجانبها حبة أرز. كان الجوال الذي يحوي تقنية Infra Red  محظوظاً جداً. وصاحبه ملك الجوالات وقتها، لأنه يملك من الصور ما يملك، ولأنه يرسل من الصور أيضاً مايحلو له أن يرسل ولمن يريد، الصور –بطبيعة الحال- كانت نقطية (أبيض وأسود)، كانت معظم الصور التي كان يتناقلها الشباب ذات مدلول وإيحاء جنسي. وماكان لا ينقل بالجوال، فكان ينقل باليد، فالصور الجنسية أيضاً كانت تتناقل بكثافة وأحياناً تباع. كانت تلك الصور –وكما كان يخبرني بعضهم- لفنانات عربيات مشهورات، وكلما زادت شهرة تلك الفنانة زادت المساومة عليها.

في العام 1998 بدأ الانترنت بالانتشار، وبدأت مقاهيه تزداد وبشكل ملحوظ في الشوارع، كانت قيمة الساعة الواحدة 50 ريال، انخفضت لـ 30 فـ 20 حتى وصلت لـ 10 ريالات للساعة الواحدة. كان الشباب منهمكين بمواقع الدردشة mIRC و Microsoft Chat الذي كان ينصب مع Windows 98 ، و برنامج الدردشة الذي سمعنا لاحقاً أنه اسرائيلي icq .

كان المحتوى الديني ضعيفاً والمواقع التي تعنى بالشباب وتعالج قضاياهم معدومة، أذكر أنه من أوائل المشايخ الذين تنبهو لهذه القضية فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، حيث كان موقعه يظهر مع كل حلقة تبثها قناة الجزيرة في برنامج الشريعة والحياة.


في غضون تلك السنوات أيضاً بدأت تنتشر الأطباق الفضائية، وبدأ معها الإسلاميون وكعادتهم بمهاجمتها كما هوجم التلفاز والفيديو والانترنت. واتهم من يحضر هذه الأطباق بأنه ديوث يرضى لأهله الفاحشة، الشباب من جهتهم كانوا أكثر الفئات فرحاً بالخط الساخن وقنوات الإغراء الفرنسية والكليبات العربية التي صارت تعرض تباعاً.

ضعف رقابة الأهل أو انعدامها، وعدم التوعية لهذه الأدوات الجديدة التي طرأت على المجتمع كان السبب الأكبر في الانحلال الخلقي الذي كنا نشاهد فيه الشباب في تلك الأيام واليوم. فبعض ما يفقده الشاب من روابط مع الوالدين يعوضه بروابط جديدة متكافئة وحيوية مع اقرانه المقاربين له في العمر، وهذه الروابط تختلف بشكل كبير عما عهده مع الوالدين في شكلها ومضمونها، فهي متنوعة الجوانب وطوعية ارادية غير مفروضة، اذ يتمتع الشاب في هذه المرحلة بقدر كبير من الحرية والخيار في بنائها وتحديد مداها وفاعليتها ومدى خيريتها، فبعض هذه العلاقات تبنى على أساس المصلحة والمنفعة المتبادلة في كل ماهو جديد في الأفلام أو الصور أو مواقع الانترنت على سبيل المثال.
كل هذا أسس لجيل من الشباب اليوم لديه تعريف مسبق عن المتدين، وخلق فجوة كبيرة وجداراً عازلا أحجاره هي عبارة عن: الاحتقار، الجفاء مع الفاسق، الوعظ باللمز، تجاهل هذه الفئة، عدم التدرج في الوعظ، الأحكام الغليظة (فاسق، كافر، …) ، غياب المشروع المجتمعي، عدم المنطقية والحجة في الحوار، والكثير من الأمور التي أسست لهذا الجيل الذي صار عنده كثير من المسلمات الأخلاقية التي لا يناقش فيها. وزادت الفجوة العاطفية مابين الأهل والشاب حتى صار من الطبيعي والمسلم به أن يكون لكل شاب عشيقة أو أكثر، وربما عشيق.
في الطرف الآخر وعلى جانب التفريط، كان هناك كثير من الشباب الذين لا يؤمنون بالحلول الوسط ولا يستطيعون إمساك العصا من المنتصف، انتهى بهم الطريق إما في أفغانستان أو في الشيشان منهم من استشهد –نحسبهم كذلك- ومنهم من عاد ناسفاً كل آرائه ومغيراً كثيراً من قناعاته. كانت محطات الأمة التي مرت بها عصيبة (أفغانستان في الثمانينات، البوسنة والهرسك، الشيشان، العراق، فلسطين) وكانت كفيلةً بأن تجعل من بعض الشباب المتحمسين شعلاً من النار. ما هو سيء في الامر أن بعضاً ممن عاد لبلاده عاد وهو يحمل أفكاراً تكفيرية للمجتمع وللحكومات العربية كما حدث في مصر والسعودية.


اليوم وبعد عشرين سنة، أرى أن الصحوة بين شباب الأمس وصلت لمرحلة من النضج أكثر من ذي قبل والفضل بعد الله يعود للمشايخ العقلاء والدعاة الجدد الذين أجدهم ظاهرة صحية وعت الأمة بطريقة راقية ومحببة للشباب وأخذت بيدهم للخير، ومن هؤلاء الدعاة: د. طارق السويدان ، عمر خالد، أحمد الشقيري، وغيرهم الكثير.
كما أن انتشار القنوات الفضائية الدينية على مستوى عالي من الحرفية زاد من شأن الصحوة الدينية حتى أصبح لدينا قنوات نفاخر بها ونجعلها مرجعاً دينيا لنا كقناة الرسالة، إقرأ ، الهدى (إنجليزية) ، الرحمة ، الناس. بالرغم من بعض الهفوات والزلات لبعض منها وبغض النظر عن الاتجاهات التي تسلكها كل واحدة من هذه القنوات.
أمر آخر.. هو إدراك الإسلاميين لضرورة إقحام الفن في مجال الدعوة والعمل عليه بشكل احترافي، فظهرت الفرق الإنشادية وأصبح المنشد الإسلامي ينافس المطرب والمغني، وظهرت كثير من الفضائيات المتخصصة بالفن كقناة فور شباب وشدا الفضائية. وقنوات الطفل أيضاً كطيور الجنة وقناة سنا وكراميش وغيرها.
الشباب أدرك دوره اليوم، وهو يريد أن تكون له بصمته في السنوات القدامة، انتشار التقنية وسهولة التواصل والسبل الحديثة أحد العوامل المساعدة بلا شك، ولكن الروح المليئة بالحيوية وحب التغيير هي العامل الأهم. والأمة مقبلة على أحداث عظيمة اجتماعية وسياسية واقتصادياً وما شأن العراق وأفغانستان وغزة وأطماع إيران والأزمة المالية إلا بداية لذلك التغيير.
وسيظل الشباب يراوحون ما بين إفراط وتفريط لأنها سنة الحياة، وسيظل بينهما ذلك الخيط الرفيع ناصع البياض، يحمل هم الأمة بحكمة، وينفتح على الغير، ويحب الخير. لكنهم قلة ومطحونون بين مطرقة الإفراط وسندانة التفريط .

ما أستطيع أن ألخصه الآن: الشباب أصبح أكثر حرية اليوم من ذي قبل، واتيحت له فرص المشاركة في كل شيء، ازداد وعيه وازدادت المفاتن والمفاسد من حوله، الدعاة الجدد أصبحوا كالشموع ينيرون الطرق ، والأهل يسيرون في طريق الجفاء الأسري والعاطفي أكثر من أي وقت مضى، والبركة في أسلوب الحياة الحديثة وقلة الخبرة التربوية للآباء الجدد -إن صح التعبير- من جهة وصعوبة تعامل وتفهم الجيل القديم لاحتياجات الجيل الجديد. حفظ الله الشباب لأمتهم وجعلهم دوماً نبراساً وأعلاماً للهدى.

وسوم:

التعليقات 2 على “الشباب ما بين الماضي والمستقبل [بحث]”

  1. خديجة علق:

    تلخيص رائع للتغييرات التي حدثت في حياة الشباب..
    أرى في كلماتك إخلاصاً لوضع شبابنا في هذه الأيام، ووعياً وإدراكاً تاماً بما يحدث، وهو ما يجب أن يكون عليه الآباء والأمهات ..
    مجهود عظيم تشكر عليه..

  2. عبلة كامل علق:

    الصعود إلى الهاوية‏

    ترك أم الرشراش لأسرائيل و بيع الغاز الطبيعى المصرى لأسرائيل بخسارة 13.5 مليون دولار يوميا و ترك سيناء شبة خالية من السكان لمصلحة إسرائيل و حصار غزة و اللهث لتكوين أتحاد دول البحر الأبيض المتوسط لتسهيل عملية دمج إسرائيل فى المنطقة العربية لتستفيد أقتصاديا و لرفع الحرج عن الأستثمارات الخليجية فى إسرائيل بالمستقبل القريب ، بينما يتم قمع الشعب المصرى بقبضة حديدية بمعرفة أجهزة الأمن و يعيش أكثر من نصف المصريين تحت خط الفقر مع 2 مليون من أطفال الشوارع كل هذا يطرح سؤال لحساب من يعمل النظام المصرى؟

    ارجو من كل من يقراء هذا ان يزور ( مقالات ثقافة الهزيمة) فى هذا الرابط:

    http://www.ouregypt.us

أضف تعليقاً